في المشهد الجمعياتي التونسي اليوم، لم تعد الإدارة المالية مجرد مسألة تنظيم “دفاتر وفواتير”، بل تحولت إلى عنصر حاسم في استمرارية الجمعيات وقدرتها على العمل بثقة وأمان. فمع تعقّد الإطار التشريعي وتزايد الرقابة الجبائية والإدارية، تجد العديد من الجمعيات، خاصة الصغرى منها، نفسها أمام تحديات حقيقية قد تصل إلى تعليق النشاط أو التعرض لخطايا مالية، ليس بسبب سوء إدارة متعمد، بل نتيجة نقص في الأدوات العملية والمعرفة التقنية.
في هذا السياق، شكّل اللقاء الذي نظمه مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية يوم 11 مارس بنزل المشتل محطة مهمة للفاعلين في المجتمع المدني، حيث لم يقتصر النقاش على تشخيص الإشكاليات، بل تم تقديم مجموعة من الحلول العملية التي تستجيب مباشرة لاحتياجات الجمعيات في مجال الامتثال القانوني والجبائي. وقد أبرز هذا اللقاء بوضوح أن الامتثال لم يعد مجرد التزام إداري، بل أصبح صمام أمان حقيقي يضمن استمرارية العمل الجمعياتي ويحميه من المخاطر القانونية والمالية.
وخلال هذا اللقاء، تم التأكيد على أن المحاسبة تمثل اليوم العمود الفقري لحوكمة الجمعيات، إذ تتيح لها بناء ملفات مالية شفافة ومنظمة تعزز ثقة الشركاء والمانحين، وتمكّنها في الآن ذاته من اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة. كما تساهم في حماية الجمعية عند الخضوع لأي عملية تفقد من قبل المصالح الجبائية أو الإدارية، وهو ما يجعل من إرساء نظام محاسبي واضح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
وفي هذا الإطار، تم استعراض تطبيق محاسبي رقمي جديد تم تطويره من قبل مركز الكواكبي، موجّه أساسًا للجمعيات التي لا تتجاوز ميزانيتها السنوية 100 ألف دينار، ويهدف إلى تمكينها من مسك حساباتها بطريقة مبسطة وشفافة. ويتميز هذا التطبيق بكونه مجانيًا بالكامل، وسهل الاستخدام، ولا يتطلب خبرة محاسبية متقدمة، كما يتيح العمل إما عبر الإنترنت أو بعد تنزيله على الحاسوب، مع ضمان تحيينات مستمرة تواكب المتطلبات القانونية والمحاسبية في تونس. وقد تم تقديم هذا الحل كأداة عملية تساعد الجمعيات على “ترتيب بيتها الداخلي” وتفادي العديد من الإشكاليات التي قد تعترضها
يمكن لكل الجمعيات الراغبة في التمتع بهذا التطبيق تنزيله بصفة مجانية عبر الرابط التالي:
وإلى جانب هذا الحل التقني، تم خلال اللقاء استعراض مجموعة من المبادرات المكملة التي تعكس توجهًا جماعيًا نحو مرافقة الجمعيات وتعزيز قدراتها، من بين هذه المبادرات، يبرز فضاء “Help Desk Jamaity” الذي أطلقته منصة جمعيتي بدعم من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية (AECID)، والذي يمثل آلية عملية للمرافقة اليومية، لا تقتصر على الإجابة عن الاستفسارات، بل تمتد لتشمل المتابعة والتوجيه الاستباقي لتفادي الإشكاليات قبل حدوثها كما يوفر هذا الفضاء استشارات قانونية متخصصة في تأسيس وإدارة الجمعيات، إلى جانب دعم في الجوانب الجبائية والمحاسبية مثل التصاريح وإعداد التقارير ومسك المحاسبة، كما يتيح توجيه الجمعيات نحو خبراء مختصين من محامين ومحاسبين في الحالات المعقدة حيث يمكن للجمعيات التواصل مع هذه الخدمات سواءا عبر الهاتف: 29594674 (من الإثنين إلى الجمعة، 09:00 – 16:00)
أو البريد الإلكتروني:helpdesk@jamaity.com
كما تتيح منصة Jamaity Academy أداة تقييم ذاتي تساعد الجمعيات على قياس مدى امتثالها للقوانين بشكل مبسط وفوري.
كما تم تقديم مبادرة الدليل الجبائي المبسط التي وضعتها أكاديمية الحوار الوطني على ذمة الجمعيات، وهو دليل عملي يهدف إلى تبسيط الإطار الجبائي وتفسيره بطريقة واضحة، بما يمكّن الفاعلين في المجتمع المدني من فهم واجباتهم وحقوقهم بشكل أفضل، ويساهم في تعزيز الامتثال والشفافية داخل الهياكل الجمعياتية.
يمكنكم تحميل الدليل عبر الرابط التالي:
وفي نفس الإطار، تم التطرق إلى آلية المساندة القضائية التي توفرها منظمة محامون بلا حدود (Avocats Sans Frontières)، والتي تفتح المجال أمام الجمعيات للحصول على دعم قانوني مباشر في حالات النزاع أو التعقيدات الإدارية، من خلال توفير مرافقة من قبل محامين مختصين، وهو ما يمثل عنصر أمان إضافي للجمعيات التي قد تجد نفسها في مواجهة إشكاليات قانونية معقدة
يمكنم الاتصال بهم عبر البريد الالكتروني :conformite@asf.be
وقد أبرزت هذه المبادرات مجتمعة تحولًا مهمًا في مقاربة دعم المجتمع المدني، حيث لم يعد الأمر يقتصر على تقديم التوصيات، بل أصبح قائمًا على توفير أدوات عملية، رقمية وقانونية، تساعد الجمعيات على العمل في إطار سليم، كما تم التنبيه خلال اللقاء إلى عدد من الأخطاء الشائعة التي لا تزال تهدد استمرارية بعض الجمعيات، مثل خلط الأموال الشخصية بأموال الجمعية، أو التأخر في تسجيل العمليات المالية، أو إهمال إعداد التقارير الدورية، وهي ممارسات قد تكون لها تبعات قانونية ومالية خطيرة.
ويعكس هذا اللقاء بوضوح انتقال المجتمع المدني التونسي نحو منطق “التحصين الجماعي”، حيث تتكامل جهود مختلف الفاعلين لتوفير منظومة دعم متكاملة، تمكّن الجمعيات، خاصة الصغرى منها، من تجاوز التحديات وتعزيز حوكمتها. وفي هذا الإطار، لم يعد الامتثال مجرد إجراء إداري، بل أصبح مؤشرًا على نضج واحترافية العمل الجمعياتي.
في النهاية، يتأكد أن الاستثمار في الشفافية، واعتماد الأدوات الرقمية، والاستفادة من خدمات المرافقة القانونية والجبائية، كلها عناصر أساسية لبناء جمعيات قوية، قادرة على الاستمرار وأداء دورها في خدمة المجتمع، في بيئة تتطلب أكثر من أي وقت مضى قدرًا عاليًا من التنظيم والامتثال.
Voila ce que les autres utilisateurs ont pensé de cet article
Vous devez être connecté pour pouvoir évaluer cet article